ابن عابدين

386

حاشية رد المحتار

قال أبو السعود وغيره مع أنه مخالف لدعوى الاتفاق ، لكن رأيت في المحيط من كتاب الكسب : ذكر محمد في السير الكبير : لا بأس للمسلم أن يعطي كافرا حربيا أو ذميا ، وأن يقبل الهدية منه ، لما روي : أن النبي ( ص ) بعث خمسمائة دينار إلى مكة حين قحطوا وأمر بدفعها إلى أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية ليفرقا على فقراء أهل مكة ولان صلة الرحم محمودة في كل دين ، والاهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق الخ ، وسنذكر تمام الكلام على ذلك في أول كتاب الوصايا . قوله : ( دفع بتحر ) أي اجتهاد ، وهو لغة : الطلب والابتغاء ، ويرادفه التوخي ، إلا أن الأول يستعمل في المعاملات ، والثاني في العبادات . وعرفا : طلب الشئ بغالب الظن عند عدم الوقوف على حقيقته . نهر . قوله : ( لمن يظنه مصرفا ) أما لو تحرى فدفع لمن ظنه غير مصرف أو شك ولم يتحر لم يجز حتى يظهر أنه مصرف فيجزيه في الصحيح ، خلافا لمن ظن عدمه ، وتمامه في النهر . وفيه : واعلم أن المدفوع إليه لو كان جالسا في صف الفقراء يصنع صنعهم أو كان عليه زيهم أو سأله فأعطاه كانت هذه الأسباب بمنزلة التحري ، وكذا في المبسوط حتى لو ظهر غناه لم يعد . قوله : ( فبان أنه عبده ) أي ولو مدبرا أو أم ولد . نهر وجوهرة . وهو مفاد من مقابلته بالمكاتب ، وإنما لم يجز لأنه لم يخرج المدفوع عن ملكه ، والتمليك ركن . قوله : ( أو مكاتبه ) لان له في كسبه حقا فلم يتم التمليك . زيلعي . والمستسعي كالمكاتب عنده ، وعندهما حر مديون . بحر عن البدائع . قوله : ( أو حربي ) قال في البحر : وأطلق : أي في الكنز الكافر فشمل الذمي والحربي ، وقد صرح بهما في المبتغى . وفي المحيط : في الحربي روايتان ، والفرق على إحداهما أنه لم توجد صفة القربة أصلا والحق المنع . ففي غاية البيان عن التحفة أجمعوا أنه إذا ظهر أنه حربي ولو مستأمنا لا يجوز ، وكذا في المعراج معللا بأن صلته لا تكون برا شرعا ، ولذا لم يجز التطوع إليه فلم يقع قربة اه‍ . أقول : ينافيه ما قدمناه قريبا عن المحيط عن السير الكبير من أنه لا بأس أن يعطي حربيا ، إلا أن يقال : إن معناه لا يحرم بل تركه أولى فلا يكون قربة ، فتأمل . وفي شرح الكنز لابن الشلبي قال في كفاية البيهقي : دفع إلى حربي خطأ ثم تبين جاز على رواية الأصل . وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يجوز ، وهو قوله اه‍ . قال الأقطع وقال أبو يوسف : لا يجوز ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقوله الآخر مثل قول أبي حنيفة . قال في مشكلات جواهر زاده : الاجماع منعقد أنه لو كان متسأمنا أو حربيا تجب الإعادة اه‍ . ونص في المختار على الجواز وإطلاق الكنز يدل عليه . اه‍ كلام ابن الشلبي . قلت : وكذا إطلاق الهداية والملتقى الكافر يدل على الجواز ، وما نقله عن الأقطع يدل على أنه قول إما المذهب فحكاية الاجماع على خلافه في غير محلها . قوله : ( لما مر ) أي في قوله فجميع الصدقات لا تجوز له اتفاقا . قوله : ( أو كونه ذميا ) عدل عن تعبير الهداية وغيرها بالكافر بناء على ما مر . قوله : ( لا يعيد ) أي خلافا لأبي يوسف . قوله : ( لأنه أتى بما في وسعه ) أي أتى بالتمليك الذي هو الركن على قدر وسعه ، إذ ليس مكلفا إذا دفع في ظلمة مثلا بأن يسأل عن